مقالات

عبد القادر الأسمر ورسالةُ الحرف…!كتب شاعر فلسطين الكبير الاديب مروان الخطيب ..عن الصحافي الراحل عبد القادر الاسمر .

عبد القادر الأسمر ورسالةُ الحرف…!

“الرِّجالُ بأفكارِهم وآثارِهم، لا بأشكالِهم وألقابِهم”
-أصيل العَكَّاوي-

هوذا الرَّجلُ العَريقُ بانتمائه إلى الحَرفِ النبيل، والكَلِمِ الأصيل، وصحائفِ الفَجرِ الأثيل، والبَوحِ المُندَّى بِشَفافيةِ الهمسِ ونقاءِ التَّراتيل، يرحلُ عنَّا إلى مَعَارجِ المَاوراء، هاجراً ضِيقِ الدُّنيا إلى رَحَابةِ السَّماء، ودائساً أروقةَ اللَّفِ والنِّفاقِ والدَّوران، انحيازاً شجيَّاً وأبيَّاً، إلى معارجِ الأنوارِ والصَّفاءِ والبهاء، وترجمةً عملانيَّةً  لِرُوحِ الحرفِ وفلسفتهِ ورسالتِه التي تمتاحُ من عبيرِ السَّماءِ مِدادَها، ومن فرقانِ الحقِّ زادَها…!.
هو ذا الرَّجلُ المَوسُومُ بأبجديَّةِ الرُّكُونِ إلى جوهرِةِ المهنيَّةِ النَّظِيفَةِ الآسرةِ والخَلوب، تلكَ التي تستولي على سُلافِ النَّبضِ وشَغَافِ القلوب، يرحلُ عنَّا، ويتركُ خلفَهُ رسالةً لا تموت، ووصيَّةً لا تَخُورُ ولا تمور…، لكأنَّهُ يقولُ بالفمِ المَلآن، وبالفِكرِ النَّديان، وبالألقِ الفينان، ما قالَهُ دوماً السِّنديان: أنا هُنا، كأني هناك، فُسحةٌ للأخضرِ المِعْطَاء، دوحةٌ للبُرءِ والشِّفاء، وفُسحةٌ للأملِ والهواء. أنا السِّنديان، نظيرُ البَيلَسَان، وشقيقُ الأُرجوان، والمَعنى الرَّفيعُ في العقيقِ والجَادِ والمَرجان، أنا والفجرُ تَوْأمان، وأنا المَدى المفتوحُ على النَّخلِ وماءِ الرُّمان…، لا أهينُ، ولا يُمكنُ أن أُهان…، وأنا كُنْهُ الرِّسالةِ في الحَرف، حيثما كُنتُ، وفي كلِّ زمانٍ ومكان…!.
وَبَعدُ يا صاحبي…!، هيَ الدُّنيا هكذا، ولادةٌ وَرَحيل، وَبُزوغٌ وَموت، والأثرُ المُتبقِّي في الأرضِ، هو ذَيَّاكَ المُنسَرحُ مع قامةِ الكَلِمِ في اتصالِهِ بالشَّمسِ، وبانتقالِهِ من لحظةِ الشَّكِ إلى مَعِينِ اليقين، ثُمَّ في تَرَبُّعِهِ على عَرشِ الرَّسالةِ في الجُهدِ المبذولِ والعطاءِ المعسول…!.
وأنت، ما عهدناكَ إلَّا من أولئكِ النَّفرِ الخَلوصِينَ، الصَّاعدينَ دوماً إلى أعماقِ اندغامِهم البهيِّ معَ الحقيقةِ وسحرِ زهرةِ الجُلَّنار…!.
أخالُكَ أماميَ الآن، متذكِّراً ما قلتَهُ لي ذاتَ ظهيرةٍ: أغبطُكَ على عَطائكَ الأدبيِّ البَاهر، وأتحسَّرُ على وقدةِ الأدبِ السَّارحةِ خُمُوداً في أعماقي، وقد أبعدتني عنها اللُّغةُ الخشبيَّةُ في أدائنا الصَّحفيِّ!.
والآن، أتفرَّسُ في الذي قلتَهُ، سابحاً نحو مُعْتركِ الأدبِ الذي يحفلُ بالصِّدقِ الأبيِّ العارجِ إلى عُلوِّ المقاصدِ وجَماليَّةِ الأداءِ العَطُوفِ والمِخيالِ، لأُسَجِّلُ نبضاً كُنتَ رغوباً فيه، وإنْ لم يَتَسَنَّ لكَ تدوينَهُ في نصوصٍ أدبيَّةٍ صرفَكَ عن كتابتِها والإبداعِ فيها انشغالُكَ اليوميُّ بمهنةِ المتاعبِ والألمِ الهَصُور(الصحافة)، لكنَّ المعدنَ الأصيلَ والثمينَ يُرى لذوي البصيرةِ وإنْ لم ينكشفْ، ومثلُكَ كانَ صادقاً، بارعاً، وعميقاً في كلِّ نتاجِ مِدادِهِ، ويتمَّلى شَجيَّاً ونديَّاً، وإشراقاً بليغاً وهو يقرأ الأعمالَ الأدبيَّةَ ويعرضُها في مقالاتهِ الخَوالبِ، لكأنَّهُ يكتبُ نصوصَهُ الأدبيَّةَ الأواسرَ في كتابتِهِ عن آدابِ الآخرين!.
وهنا نُسجِّلُ لراحلِنا الشَّاهقِ الشَّهيمِ عبد القادر الأسمر، تلكَ السَّجيَّةَ الأدبيَّةَ البَّواحةَ بالتِّلقائيَّةِ الصَّافيةِ، وبالعَفوفيَّةِ البائحةِ بمخزونٍ ثقافيٍّ عميقٍ حدَّ الرُّؤيا المُزَنَّرةِ بالشَّوقِ اللَّهوبِ والعِشقِ الصَّدوق، وحدَّ الانهمارِ كسُيولٍ مُتدلِّيةٍ من معارجِ الأبيضِ والثلجِ إلى المساحاتِ العطشى، والمُتَشَقِّقةِ من الوَجدِ والهُيام!.
والآن، ونحنُ نودِّعُكَ للمرَّةِ السَّابعةِ، نُوَثِّقُ لكَ نبضاً كانَ عليَّاً في أرجائكَ الخضراء، وبهيَّاً في نُورِكَ الوَضَّاء، وسَخِيَّاً في أدائكَ المِعطاء، ونقولُ بأنَّكَ كُنتَ ذا هِمَّةٍ عاليةٍ، ومُتَفَانِياً في الصُّعُودِ إلى رُكنِ ومراقي الرِّساليَّةِ، ولمْ تكنْ معَ الكلمةِ، إلَّا كما كانَ الحُبُّ في قلبِ أنكيدو، وكما كانتْ رغبةُ أخيل، في العُروجِ إلى تَجاوزِ المُستحيل، وكُنتَ دوماً السَّاعي إلى فجرِ الكلمةِ- الحقيقة، حتى تستقرَّ الشَّمسُ أخضرَ في الأرضِ لا ييبسُ، وعدلاً فيها لا يموت…!.

مروان مُحَمَّد الخطيب
15/10/2021م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى