مقالات

الحمّامات التراثية” تحوّلت حاجة ماسة في غياب الكهرباء والمياه! إسراء ديب

تُعرف مدينة طرابلس بإرثها الثقافي العريق الذي يُعطيها قيمة تاريخية كبيرة لم تُقدّر الدّولة اللبنانية وجودها يومًا، ففي هذه المدينة التي تضمّ معالم ثقافية وأثرية لامتناهية، تستفيد اليوم ولو بشكلٍ غير مباشر أو معلن، من أحد مواقعها التراثية وهي الحمامات القديمة التي كانت قد نشطت وازدهرت في عهد العثمانيين، وهي ما تزال تحافظ على رونقها على الرّغم من إهمال بعضها أسس الترميم المستمر، أمّا بعضها الآخر فما يزال يتمسّك بضرورة ترميمها لتستمرّ هذه المعالم بالإشارة إلى هوية الفيحاء التاريخية.

إنّ هذه الحمامات التي كانت عنوانًا للترف والتسلية أو لإعادة إحياء التقاليد والعادات الاجتماعية في طقوس معيّنة (كالزواج مثلًا) منذ أعوام، باتت اليوم حاجة ماسة للكثير من الشماليين الذين يلجأون إليها يوميًا ويُقبلون على خدماتها بشكلٍ واضح في الآونة الأخيرة بعد الأزمة الكبيرة التي واجهها لبنان بسبب تراجع التغذية الكهربائية بشكلٍ واضح، وانقطاع المياه عن الكثير من مناطقه وأحياء المدينة.

في الواقع، يعجز الكثير من المواطنين عن دفع فاتورة الاشتراك الكهربائي الضخمة التي دفعت بعضهم إلى إلغائه، أو إلى تقليص حجم هذا الاشتراك إلى 3 أمبير وأقلّ أيضًا، والكفيل بإنارة المنزل فحسب، ولا يُمكن استخدامه لتسخين المياه عبر الطاقة الكهربائية، ونظرًا لغلاء ثمن قارورة الغاز والتي يتجاوز سعرها الـ 300 ألف ليرة، لن يتجرأ أحد على تسخين هذه المياه بالغاز أيضًا، مما يجعل من هذه الحمامات التقليدية الموجودة في أسواق طرابلس القديمة، ملجأ جاذبًا لمن تتيسر له الظروف. 

ربّ ضارة نافعة!

يرى مصطفى الأحمد المسؤول عن إدارة حمّام العبد، أحد حمامات طرابلس الـ 11، أنّ هذه الحمامات واجهت كلّ الظروف الاقتصادية والإنمائية الصعبة في البلاد، كأزمة الكهرباء التي أجبرتهم على تحمّل المزيد من المصاعب والأعباء المالية.

ويقول لـ “لبنان الكبير”: “غالبًا ما نقوم بتقديم خدمات أكثر من الثمن الذي نتقاضاه من الزبائن، لكن يُمكن التأكيد أنّ ربّ ضارة نافعة، لأنّ الإقبال قد ازداد على الحمامات بسبب غياب التغذية الكهربائية وكذلك المياه عن الكثير من البيوت، وهذا لا يعني عدم وجود إقبال في السنوات الماضية، لكنّه بالتأكيد لم يكن بالحجم الذي نشهده اليوم في ظلّ تعاظم المشاكل التي أوصلتنا إليها الطبقة السياسية الفاسدة والتي أهملت حقوقنا وواجباتها منذ زمن طويل”.

ويُضيف: “عادت مع هذه الأزمة الكثير من الأعراف الاجتماعية إلى الواجهة من جديد، ففي مناسبة الزواج يُقبل إلى الحمام الذكور أو الإناث للاحتفال بالحنّة أو كلّ ما يرتبط بهذه المناسبة حسب تقاليدهم، وذلك من خلال حجز الحمام لهذه الاحتفالية، لكن تراجع الإقبال السياحي على حمامنا والذي كان يجذبه أسلوب الهندسة والتنظيم الموجود لدينا، لكن الأزمة الاقتصادية، فضلًا عن انتشار وباء كورونا، أثرا كثيرًا في مجريات الأمور”.

إنّ هذا الحمام المستمر منذ ما يُقارب الـ 740 عامًا، يستقبل الإناث كلّ اثنين، أمّا الذكور فيُمكن استقبالهم باقي أيّام الأسبوع. أمّا عن الأسعار فالحجز للعروس يصل ثمنه إلى 100 دولار، لكن في الحالات العادية أو الرغبة في الاستحمام فتصل إلى 200 ألف للنساء، و120 ألفا للرجال، ويُستخدم فيها الصابون البلدي المعطر أو المعقّم عندما يكون الزبون مريضًا مثلًا بداء جلديّ، فضلًا عن العديد من الخدمات التي تستقطب كلّ من يرغب في الشعور بالراحة والاستجمام، كالتدليك أو “المساج”، السونا وغيرها…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى