الخدمات الاعلامية

كتب شاعر فلسطين الاديب الكبير الاستاذ مروان الخطيب عن فلسطين الغالية من وراء الحدود الوهمية

مِنْ أوراقِ الذَّاكرةِ الزَّرقاء

هذه…هيَ فلسطين…!

 

أمامَها بنتُ جبيل، وفوقَ الأمامِ، هَواءٌ مُتَدلٍّ من جَنَّةِ الفردوسِ والنَّعيمِ المُقيم…!.
…، ينظرُ مَليَّاً في وجوهِ الأصحابِ والزُّملاء؛ يُحدِّقُ شارداً في مُنتهىً مُفضٍ إلى دلالِ العُمرِ وملحمته…!؛ يُعانقُ سَلجوقَ، بوطانَ، صالحيَّةَ دمشق وعكَّا في آنٍ واحد؛ ثُمَّ يتأمَّلُ عُيونَ “غالية”، “أم هاني”، “أم سامر” الصَّواعدَ إلى أحداقِ النَّوارسِ وأجنحتِها؛ كأنَّهُ يعثرُ على معنى فلسطين في نُزوفِ أصواتهن وحركاتِهن، وفي صمتِ “أم حاتم” الوقور…!؛ ويُبصرُ في شُرودِ “ابتسام”، عناوينَ كبيرةً، لزمانٍ مُكتظٍّ بما يُشبهُ تساؤلاتِ المناطقةِ والفلاسفةِ حيالَ الكونِ والإنسانِ والحياة…؛ ثُمَّ يلمحُ نبيذاً عدْنيَّاً، يستوطنُ ضحكاتِ “ميرفت”، ويعلو بها إلى أساطيرِ بابلَ وكلدان وبحرِ يافا وجفرا، لتُطِلَّ على ماضٍ مجيدٍ، وعلى سيرةٍ مُكَلَّلةٍ بهزيمةِ نابليون بونابرت والأَثر التَّلمودي…!.
هو ذا صاحبُنا كالأُحجية، بل كمزيجٍ طافحٍ بالغَرابةِ والشَّفافية…!. مرَّةً يبتسمُ، ومرَّةً أُخرى، يلوذُ إلى وجهِ وهِمَّةِ الدكتور عماد، كي يعثرَ فيهما على لحظةٍ مُزَنَّرةٍ بِعتقٍ من ماوراء…!، ومرَّةً ثالثةً يستغرقُ تفرُّساً في الصَّمتِ والهواءِ، الآتيينِ من خلفِ الأُفقِ المُحنَّى بلوعةِ النَّكبةِ، في ذكراها السَّادسة والسِّتين…!.
…، وتتابعُ الحافلةُ سيرَها؛ ويتابعُ ذاكَ الكهلُ العنيدُ والكتومُ، تجوالَهُ في عوالمِهِ المحبوكةِ بالتَّداعياتِ والتَّأملِ…!؛ وتجوبُ قلبَهُ المُتْعَبَ في لحظاتٍ مسكونةٍ بالألمِ والحَيرة، تساؤلاتٌ سارحاتٌ مع جون بول سارتر وزاردشت، لتنتهي إلى بُحَّةٍ نظيرةٍ لتلكَ المُعَشِّشةِ في قولِ جان جينه:” وُلِدتُ في الطَّريق، وسأموتُ في الطَّريق”…؛ ثُمَّ ينهضُ إلى نورانيَّتِه، فيرى روحَهُ معانقاً فكرَهُ، ويسبحانِ في أَبجديَّةِ القرآنِ الكريمِ وأفيائهِ المُكْتَنِزةِ بالأملِ واليقينِ والحُبُور…!.
…، يضعُ يُمناهُ في جيبِ مِعطَفِهِ، يُخْرِجُ هاتفَهُ الخلوي، يفتحُ صفحةَ المُفَكِّرة، ويُدوِّن: ” ها أنذا أَقتربُ من فلسطينَ، وتغرورقُ عينايَ، حَنْجَرتي، وقلبي، بالدُّموعِ والعَبرات؛ وليسَ أَماميَ الآنَ، سوى إحدى رغبتين طافحتين وجامحتين في كأسِ النَّفسِ حدَّ الثُّمالةِ والانصهار: إمَّا الموت شهيداً فوقَ ثرى الجليلِ هُنا، وإمَّا الذَّوبان بُكاءً فوقَ صدرِ الحبيب”…!.
ثُمَّ يعودُ إلى تأمُّلِهِ الصَّموت والحزين؛ ويرحلُ في وجهي زميليهِ الصَّيدلاني فرج والمَخبري عبد الرحمن، ليُطِلَّ من جديد، على اعتمالاتِ الذَّاكرةِ المُتعبَةِ والوجيعةِ…؛ يستعيدُ ويسترجعُ ما كانَ يسمعُهُ من المرحومِ أبيه عن سيرةِ النَّكبةِ الأولى، وما كابدهُ الأهلونَ من آلآمِ الاقتلاعِ منذُ حصارِ بلدتِهِ (عمقا) في أيَّار من عام 1948، حتَّى النُّزوحِ عنها تحتَ القصفِ والحَتف، في تموز من السَّنةِ ذاتها. يتذكَّرُ مأساتَهم المُتنقِّلةَ من (دير القاسي) إلى (رميش)، ومنها إلى (جويَّا)، ومن ثَمَّ إلى (القرعون)، ثُمَّ إلى (عنجر)، ومن بعدُ إلى (النَّهر البارد)، وما أدراكَ ما (النَّهر البارد) في سِفْرِ العربانِ والأمريكان…!.
…، يقطعُ عليهِ سائقُ الحافلةِ “هشام”، شُرودَهُ وبُكاءَهُ المُلْتَحفَينِ رقَّةَ البُرقُوقِ وعنادَ السِّنديان، والقائمينِ كالصَّلاةِ في مِرجلِ الذَّاكرةِ اللَّهوبِ، وفي محرابِها السَّخي والأبيّ، حينَ قال: ها هيَ (مارونُ الرَّاس) أمامَنا، وتلكمُ فلسطين…!.
…، كأنَّهُ لم يرَها من قبلُ ثلاثَ مرَّات، بل كأنَّهُ يندغمُ في هوائها للمرَّةِ الأولى، فيقفزُ من الحافلةِ قبلَ غيرِه، ويُوقِظُ كاميرا هاتفِهِ من نُعاسِها وقيلولتِها؛ ثُمَّ يُصوِّبُ عدستَها إلى أُفقِ الجليل، ليلتقطَ عدداً من الصُّورِ المُكلَّلةِ بالأخضرِ والتُّرابي…!.
…، رُبَّما ظنَّ نفسَهُ في تلكَ اللَّحظات، شاهراً في يُمناهُ ويُسراهُ بندقيَّةَ أبيهِ التي هلكتْ في النَّهرِ البارد، مُطلِقاً منها رصاصاتِها إلى صُدورِ المُحتلِّين والغاصبين؛ ومُعْلِناً ولادةً جديدةً لِمُقاومةٍ أَبيَّةٍ؛ لن ترضى بأقلَّ من تحريرِ فلسطين، من نهرِها إلى بحرِها، ولن ترضى إلَّا بتطهيرِها كاملَةً، من دَنَسِ يهود، ومَنْ مَكَّنَ لهم فيها، من قوى الاستعمارِ، وأذنابِهِ السَّواقط…!.
…، كانتِ الشَّمسُ، في تلكَ الدَّقائق، تميلُ عن كبدِ السَّماءِ، إلى مُستقرٍّ آخر؛ إلى عصرٍ مُتَفجِّرٍ بالأسى واللَّوعة؛ كأنَّها تحلمُ بما في قلوبِ أولئك الغيارى والحَزانى، بل كأنَّها تبكي معهم ضياعَ فلسطينَ، ذاتَ نكبةٍ حمأةٍ، ومُحاصرةٍ بخياناتِ الأعرابِ وخذلانِهم أهليها…!.
ورُغمَ المَدامعِ والمَواجع؛ يتحلَّقُ الآتونَ من مُخيَّماتِ اللُّجوءِ في طرابس الشَّام، ويُطلِقونَ نواظرَهم في رحابِ أرضِهمُ المُغتَصبةِ…!؛ يُصوِّبونها إلى تلكَ الآفاقِ، كما لو كانوا في رحلةٍ إلى بيتِ اللهِ الحرام؛ ثُمَّ يتحلَّلونَ من إحرامِهم، بتناولِ القليلِ من الطَّعامِ والشَّرابِ، على مرأىً ومسمعٍ من الأرضِ الصَّفيدةِ في قيودِ المُحتلِّين والغاصبين…!. كأنَّهم يُطلِقونَ رسالتَهم المُدوِّيةَ إلى الأعداء: ها نحنُ نأكلُ ونشربُ؛ وسنحيا، ونزرعُ أنسالَنا هُنا، هُناكَ، وهُنالك، نخلاً، نَجماً، أملاً، وسندياناتٍ، لذاكَ الميقاتِ العظيم…!.
…؛ يعتلي “باسمٌ” منبرَ الكلامِ، على شُرفةٍ مُطِلَّةٍ على أُفقِ إصبعِ الجليل. يشكرُ الجمعَ، ويُحيي فلسطينَ، وإرادةَ أبنائِها الصَّامدينَ رُغمَ لأواءِ النَّكبات؛ ويدعو صاحبَنا إلى ساحِ الحرفِ، من على هذه الفُسحةِ الخالدةِ في مارون الرَّاس …!.
…، ينهضُ إلى حرفِهِ وكَلِمِهِ، كدمعةٍ حبيسةٍ منذُ نصفِ قرن…؛ ويقول:
“ها هوَ الجليلُ أمامي،
آياتٌ من أخضرَ ولازورد،
آفاقٌ من أحمرَ ومجد،
وسُنبلاتٌ مُشْرِقاتٌ، للولادةِ والحياة…!.
ها هو الجليلُ أمامي،
أمداءٌ مفتوحةٌ على الغيمِ والشَّمسِ والبحر،
تحتضنُ عكَّا، صفدَ، والنَّاصرة،
وتعلولي صاهلةً في أرجائها،
عمقا، الغابسيَّة، كويكات، الشيخ داوود،
سعسعُ، ديشومُ، سبلانُ، علما، ميرونُ، وصفوريَّةُ…!؛
وها نحنُ نلمحُ بدموعنا موطنَ الآباءِ والجُدود،
وُلِدنا هُنا،
نَمَوْنا هُنا،
رعفتْ دماؤنا هُنا،
وأدركتْنا الكُهُولةُ هُنا،
فشابتِ النَّواصي ومُؤخَّراتُ الهامات؛
نرى فلسطينَ رأيَ القلبِ والعين،
والموتُ أقربُ،
إلى أفئدتناالمُجسَّرةِ بالمعادنِ، من عناقِها…!.
ها هي فلسطينُ أمامَنا،
شارةٌ للانتصارِ الآتي،
وبُقعةٌ لأنوارِ السَّماءِ على الأرض،
وخطٌّ أحمرُ للطُّولِ،
وخطٌّ أخضرُ للعرض…!؛
وفاتحةٌ للكتابِ المُظَفَّرِ،
في خريطةِ الآتي المُزَنَّرِ برُحاقِ الياسمينِ الدِّمشقي…!.
…، ها هي فلسطينُ أمامي،
تُصلِّي في محاريبِ عين جالوت وحِطِّين،
وترفضُ أيَّةَ هُويَّةٍ لها،
سوى اليقين؛
وتكتبُ في ناصيةِ الزمان:
الويلُ للسَّاقطين،
الخِزيُ للخائنين،
والفجرُ آتٍ، ولو بعدَ حين…!.
ها هي فلسطينُ أمامي،
سماءٌ من قُدسٍ وأقصى وحَرمون،
وروحٌ من معراجِ الرَّسولِ الأمين،
وذاكرةٌ فوقَ الأصفادِ والنَّارِ والطِّين،
وأصباحٌ من ليلكٍ وتينٍ وياسمين…!.
ها هي فلسطين،
سيِّدةٌ من ماوراء،
فارفعوا عنَّا الغُبنَ والظُّلم،
واتركونا نعبر إلى جَنَّتِنا،
بدمائنا وأرواحنا،
كي نصنعَ فجرَها ويومَنا،
ونطويَ صحائفَ الخِزيِ والعار…!.
…، ها هيَ فلسطينُ أمامَنا،
وإمامُنا القُرآن؛
فلا تمنعونا من عناقِها”…!.
…؛ تقفُ سيِّدةٌ من أنوارِ الآخرة، تُدعى “أم حاتم”، تُلَوِّحُ للخطيبِ بيُسراها؛ كأنَّها تَقولُ لصوتِهِ المُحشرجِ في صدرِه، لأنفاسِهِ المُتعبةِ والمُتقطِّعةِ في عينيه، لقلبِهِ الصَّروخِ حدَّ الموتِ والشَّهادة:
كَفى يا بُنيَّ، فإنِّي أخشى على قلبِكَ المُجسَّرِ من ذاكَ الصَّمتِ الذَّبوح…!.
و ينفضُّ التَّحلقُ في (مارون الراس) نحوَ سيرٍ خَشُوعٍ وحزينٍ إلى الحافِلةِ، وبعدَها إلى وقفةٍ من لازورد في (العديسة)، حيثُ فاضتِ الدُّموعُ من القلوبِ والعُيون، على بُعدِ أمتارٍ خمسة من تُرابِ فلسطين…!.
هُناكَ تأمَّلَ صاحبُنا مشهدَ غُروبِ الشَّمسِ في أرضِهِ السَّليبة، فبكى للمرَّةِ الخمسين، وقالَ في نفسِهِ، وعلى الملأ: ها نحنُ الآنَ مُجبرونَ أنْ نُغادرَكِ يا فلسطينُ، إلى البداوي والنَّهرِ البارد…!؛ وسيبزغُ – واللهِ، وقسماً باللهِ العظيم- فَجرٌ، نأتيكِ فيهِ دماً، أُرجواناً، وياسميناً دمشقيَّاً، ولن نُغادرَكِ بعدَهُ أبدا…!.

مَروان مُحَمَّد الخطيب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى