مقالات

عضّ الكلب طفلة.. قتلت المرأة كلباً

راجانا حمية – الأخبار

يشبه العنوان أعلاه درساً شهيراً في الإعلام، لا يدرسه أحد فعلياً، بل يسمعونه على سبيل الدعابة عن تعريف الخبر الصحافي. “عضّ الرجل كلباً” هو الخبر وليس العكس. وهذا حرفياً ما حصل في بلدة كامد اللوز البقاعية. عندما اعتدى الكلب على طفلة في الثلاثين من شهر آذار الماضي، لم يكترث أحد بالخبر. أما عندما قامت والدتها بقتل الكلب، موثّقة فعلتها بشريط فيديو انتشر قبل أيام على مواقع التواصل الاجتماعي، فقد ارتفعت الأصوات المندّدة بالجريمة، وتفاعل الوزراء وتحرّكت النيابة العامة

كالنار في الهشيم، انتشر الفيديو: شابة تحمل بيدها بندقية صيدٍ تقترب شيئاً فشيئاً من كلبٍ جالسٍ وسط الطريق على مقربة من بيتها. تقتله بطلقة ثم تعود أدراجها كأنّ شيئاً لم يكن. وبينما هي عائدة ومعها بندقيتها، كان صوت ضحكات الأطفال المبتهجين بما فعلته «الماما»، يعلو في الخلفية. كان يمكن لهذا المشهد أن يمرّ بلا أثر، لولا أنّ السيدة آثرت أن تصوّر فعلتها. وتحت عنوان «سيدة لبنانية تقتل كلباً بدمٍ بارد»، ارتفعت الأصوات المندّدة والمطالبة بالانتقام من السيدة، وغرّد النجوم، وتدخّل وزيرا الزراعة والبيئة لمتابعة القضية. اختصر هذا المشهد الحادثة الأصل التي كانت قد سبقته بأسبوعين في بلدة كامد اللوز البقاعية، والتي كانت ضحيتها طفلة السيدة التي عضّها الكلب في وجهها أثناء لهوها معه، وخضعت لعدة عمليات جراحية في وجهها لمعالجة آثار الندوب التي تسبّب بها الكلب.

لم تشفع صور وجه الطفلة المشوّه لتبرير الأمر، وبقيت صورة أمها سلمى الغندور وبندقيتها والكلب السابح بدمه هي الحدث. والسؤال المعلّق لدى الكثيرين: لِمَ نفّذت الأمّ جريمتها بعد أسبوعين من حادثة اعتداء الكلب على طفلتها؟ ولماذا أعدمت كل الخيارات المتاحة واتّخذت خيار القتل؟

عندما خرجت للمرة الأولى بعد تنفيذ جريمتها، لم تكن سلمى الغندور تسعى لتنفي تهمة القتل. هي نفّذت جريمتها عن سابق تصميم وتصوّر، إلا أن ما دفعها لذلك هو «وجه ابنتي (…) فأنا ببساطة أنقذت ابنتي ونفسيتها المحطّمة، ويا ليتني رأيت هذه الإنسانية عندما كانت ابنتي تخضع للعمليات الجراحية».

معاناة الطفلة

كان هذا التصريح هو الأخير، قبل أن يمنعها زوجها غندور الغندور من التصريح. أما لِم فعلت ذلك؟ فيروي الزوج الحكاية كما «أخبرتني بها زوجتي». يقول إنها «كانت بدها تفرجي البنت إنو الكلب انجرح متل ما جرحها». وإذ يوافق غندور على أن ما فعلته زوجته «جريمة»، إلا أنه يفضّل العودة إلى ما قبل تلك اللحظة التي دفعت بزوجته إلى «حمل البندقية وقتل الكلب». يقول إن طفلته «بعد الحادثة كان وجهها مرعباً وقد اضطررنا لإجراء عملية جراحية لها». وبعد العملية «أصبحت نفسية الطفلة سيئة جداً وباتت ترفض الخروج من البيت واللعب خوفاً من الكلب، إذ كانت تتخيل بأنه سيدخل إلى المنزل ليعضّها، كما كانت تتخيّل بأن الكلاب الأخرى ستأتي إليها من الجبل أيضاً لتأكلها في الليل».

يضيف الوالد بأنه في تلك الفترة، «تواصلنا مع البلدية ولم تتجاوب معنا وذهبنا إلى المخفر وكذلك الأمر لم نلقَ تجاوباً، ثم طلبت من بعض الرفاق في الضيعة أن يأخذوا الكلب إلى مكان آخر بعيداً عن البيت وكذلك لم يتجاوبوا ثم طلبت من زوجتي أن تطعمه علّنا نصبح أصدقاء»… إلى أن كان ذلك اليوم «كانت ابنتي عائدة من المدرسة، وعندما أرادت النزول من الباص رأت الكلب فدخلت في نوبة بكاء هستيري رافضة النزول خوفاً من أن يأكلها الكلب، عندها اتخذت زوجتي قرارها ووثّقت الفيديو لكي تُري الطفلة أن الكلب مات فتطمئن»!

لا أسباب تخفيفيّة

لكن، هل ما فعلته الأم يمكن أن يكون سبباً تخفيفياً عن الجريمة التي ارتكبتها؟ ولِم لم تتحرك الجهات المعنية، من بلدية إلى وزارة الداخلية ووزارة الزراعة صاحبة الصلاحية، بعد وقوع حادثة اعتداء الكلب على الطفلة؟ لِم لم تتخذ هذه الجهات الإجراءات التي ينص عليها قانون حماية الحيوانات والرفق بالحيوان؟

تأخذ الناشطة البيئية غنى نحفاوي على الأم تساهلها في اتخاذ قرار القتل، محمّلة إياها المسؤولية في سوء التصرف، فبحسب الأخيرة، كان ثمة خيارات كثيرة أمام الأم «كان يمكنها أن تذهب إلى النيابة العامة، أن تتظاهر أمام البلدية، أو أن تنشر قصتها أو أن تتواصل مع الناشطين ليقوموا بأخذ الكلب مثلاً». أضف إلى ذلك أن «هذا الكلب موجود في تلك الساحة منذ فترة طويلة ويلعب الأطفال معه ويطعمونه ولم يؤذ أي طفلٍ من قبل، وهو ما أظهرته التقصّيات»، بحسب مصدر قضائي.

لكل هذه الأسباب، فإن ما فعلته الأم، وإن كانت تعتبره منقذاً لابنتها، فهو «جريمة» بحسب ما تنصّ عليه المادة الرابعة من قانون حماية الحيوانات والرفق بها. وهو تالياً فعل قتلٍ عن عمد وليس دفاعاً عن النفس، إذ يفترض بهذا الأخير أن تتوافر فيه الشروط، «والذي يفترض أن يقوم به المرء في وجه خطرٍ محدق، وهو ما لم يتوفر هنا لأن ما حدث كان بعد أسبوعين من الهجوم على ابنتها»، على ما يقول الناشط البيئي والمحامي عدنان اللبان.

لكن، هي ليست مسؤولية سلمى وحدها وإنما أيضاً البلديات التي تتحمّل الجزء الأكبر من المسؤولية، خصوصاً أن قانون حماية الحيوانات والرفق بالحيوان فوّض الأخيرة كامل الصلاحيات في ما يخص هذه المتابعات.

بالنسبة إلى المسار القضائي، فلا يزال ملف الشكوى في المخفر وتنتظر النيابة العامة البيئية أن يحال إليها للقيام بما يلزم قبل أن تحيله إلى محكمة جزاء جب جنين التي يفترض أن تصدر الحكم النهائي… على أن الحكم بحسب القانون «لا يستوجب السجن، وإنما في أقصى الأحوال الغرامة التي تُراوح ما بين 3 إلى 10 أضعاف الحد الأدنى للأجور»!

تربوياً: تصرّف الأمّ خاطئ

لم يستطع الاختصاصي في الإرشاد والتوجيه الزوجي والعائلي، الدكتور رائد محسن، تصوير ما فعلته سلمى الغندور في خانة الدفاع عن النفس، وإنما «لتبرهن لابنتها أنها تحميها. لتقول لها إن الكلب لن يقوى على عضّك مرة أخرى وفي اعتقادها أنها بذلك تقوم بتبديد خوفها».

ولكن، بغضّ النظر عما يمكن أن يكون قد دار في ذهن الأم، «وهي مسؤولة عنه»، إلا أن «هذا التصرف من ألفه إلى يائه خاطئ ونابع من قلة ثقافة ووعي ومن طريقة غير صائبة للتأكيد لابنتها بأنها محميّة». كان الأجدى، بحسب محسن، أن يكون السلوك بطريقة أخرى «كأن تتواصل مع البلدية أو الجمعيات أو أي فعل آخر عدا القتل».

 

زر الذهاب إلى الأعلى