الرئيسية / سياحة / تعرف على مدينتي / يوم طرابلس المجيد

يوم طرابلس المجيد

يوم طرابلس المجيد

يصادف يوم الأحد الواقع في 26 نيسان من هذا العام، يوم تحرير مدينة طرابلس من الغزاة الإفرنج واستردادها، وإعادة بناء المدينة المملوكية بآثارها الإسلامية التي لا يزال أكثرها قائماً حتى الآن، عنواناً لحضارة الأمة الإسلامية وتراثها العمراني العريق.
وبهذه المناسبة المجيدة، يجدر بأبناء الفيحاء ان يتوقفوا قليلاً أمام هذا الحدث التاريخي الجليل في مسيرة مدينتهم، ويستقرئوا وقائع النضال والصمود والجهاد التي خاضها أجدادهم. ورابطوا وجاهدوا في الله حق جهاده، ليرفعوا كلمة الحق والدين، ويذودوا عن ديارهم ضد المستعمر الأجنبي الغاصب.
لقد جاءت الحملات- المعروفة في الكتب بالحملات الصليبية- من كافة أنحاء أوروبا والعالم الغربي في القرن الخامس الهجري- الحادي عشر الميلادي، تحت ستار من الدين وحماية الأماكن المقدسة، ولكنها في حقيقة الأمر كانت تخفي أطماع ملوك الإفرنج في استعمار بلاد المشرق العربي الإسلامي، والسيطرة على خيراته، والتحكم في موقعه الإستراتيجي، واستغلّ الفرنجة انشقاق العالم الإسلامي في ذلك الوقت بين السلاجقة الأتراك في العراق، والفاطميين في مصر، وقيام إمارات صغيرة في أنحاء بلاد الشام، فقام ملوك أوروبا كلهم بحملاتهم الصليبية، براً وبحراً، واحتلوا سواحل بلاد الشام كلها، وأقاموا إمارات لاتينية تخضع لهم من إنطاكية والرّها شمالاً، حتى بيت المقدس وأراضي مصر والأردن جنوباً، أي ما يزيد على مساحة فلسطين المحتلة الآن من الصهاينة عشرات المرات.
وكانت طرابلس في ظل أمرائها من بني عمار قاعدة إمارة مستقلة على هذا الساحل تمتد من نواحي اللاذقية شمالاً، حتى جونيه وجسر المعاملتين جنوباً، وتنعم بخيرات اقتصادية، وازدهار في التجارة والصناعة والزراعة والعمران، وحياة ثقافية وفكرية وعلمية قلّ نظيرها في التاريخ، حتى أشاد المؤرخون الثقات بعظيم ثروتها، فقالوا إنها من أعظم البلاد تجارة وأغناها ثروة، وهي تفخر بدار العلم ومكتبتها الكبرى التي كانت تحتوي على ثلاثة ملايين مخطوطة، والتي وصفها المؤرخ البريطاني الكبير (ستيفن رنسيهان) بأنها كانت أغنى مكتبة في الدنيا، وهي تفوق مكتبات الخلفاء في بغداد والقاهرة وقرطبة مجتمعة. وقد وقفت طرابلس صامدة في وجه الغزاة عشر سنوات (492-502هـ/1099-1109م) وعانى أهلُها من الحصار الطويل حتى افتقر الأغنياء، وأكل الناس الجيف والكلاب، وتخاذل الفاطميون عن نصرتهم، وتجمّعت أساطيل الفرنج لحصار المدينة من البحر، وضيّقوا الخناق عليها من البر، ومنعوا وصول الغذاء والمساعدة من البلاد القريبة، حتى سقطت المدينة بأيديهم، فدمّروا معالمها، وأحرقوا مكتبتها بأمرٍ من قائدهم (برتراند) فضاع على الإنسانية كنزٌ هائل من التراث والعلوم المدوَّنة في المخطوطات النادرة المكتوبة بماء الذهب وبخطوط مؤلّفيها، ورزحت طرابلس تحت حكم الغزاة الأوروبيين أكثر من 180 عاماً، وعمل الغزاة على تغيير معالمها العربية الإسلامية، فنشروا نظمهم وقوانينهم، وفرض لغاتهم الغربية وعاداتهم، وكذلك فعلوا في كل المدن والبلاد التي احتلوها في الشرق العربي الإسلامي.
ولأهمية موقع طرابلس الإستراتيجي، ودورها التاريخي على ساحل الشام، فقد اتخذ منها الصليبيون عاصمة لإحدى إماراتهم اللاتينية بعد إمارة إنطاكية وإمارة الرّها، ومملكة بيت المقدس.
وإذا كان قد قدّر لإمارة الرها ان تتحرر على يد الملك الشهيد عماد الدين الزنكي، وان ينتصر الناصر صلاح الدين الأيوبي على جيوش ملوك أوروبا في موقعة حطين ويحرر بيت المقدس، وان يقوم الملك الظاهر بيبرس باسترداد إنطاكية وفتح البلاد التابعة لها، فإن طرابلس ظلت عاصية أمام هجمات المسلمين، فقاومت عماد الدين زنكي، وابنه الشهيد نور الدين، والناصر صلاح الدين، وأخاه الملك العادل الأيوبي، والظاهر بيبرس، حتى قيّض الله السلطان لها المنصور قلاوون، سلطان دولة المماليك، فكان موعد تحريرها معه وعلى يديه، حيث خرج بجيشه من القاهرة الى دمشق، وبها تجمّعت الجيوش من مختلف أنحاء بلاد الشام، وانضم الى جيشه النظامي آلاف المتطوعة المغاربة النازحين من الأندلس، خرج من دمشق الى طرابلس في فصل الشتاء، والثلوج تكسو الجبال المشرفة على المدينة، ففاجأ الصليبيين ورابط عند مرتفع القبة، التي عرفت بقبة النصر منذ ذلك التاريخ تمجيداً للفاتح العظيم، وضرب حصاره على الفرنج مدة 33 يوماً، وقذف الفرنج بالمنجنيقات، ونقب الجدر والأسوار واقتحمها تحت غطاء من عشرات آلاف السهام والدبابات الخشبية الثقيلة والأنابيب التي تقذف النار الملتهبة، الى ان فرّ بعض القادة الفرنج في البحر الى الجزر أمام الميناء، وقُتل بعضُهم، وأسِر آخرون، وخاض المماليك عباب البحر بخيولهم، وبعضهم سباحة الى حزيرة البقر حيث فرّ الصليبيون إليها، وتمّ دحر الفرنج في يوم 26 نيسان سنة 1289م، وسقطت في هذا اليوم قاعدة الإمارة الإفرنجية التي أقيمت على أرض مدينتنا العربية الإسلامية بغياً وعدواناً، وعادت طرابلس منذ ذلك التاريخ ثغراً ورباطاً للعرب والمسلمين، وكان يوم 26 نيسان يوم تحرير طرابلس من الاحتلال الفرنجي الأوروبي، ويوم تأسيس المدينة المملوكية التي تفخر بمساجدها ومدارسها وحماماتها وخاناتها وأبراجها وسُبُل مياهها وقصورها وأسواقها وساحاتها ونقوشها وزخارفها.
وقد خفقت قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها فرحاً وابتهاجاً بفتح طرابلس وعودتها الى المسلمين، فأقيمت الاحتفالات والزينات في كل بلاد المسلمين.
وبفتح طرابلس تيسّر فتحُ آخر معاقل الغزاة الفرنج في عكا وصور وصيدا وبيروت، وتم طردهم من ديار الشام بعد سنتين 1291م.
وكان من حق الفاتح العظيم القائد المجاهد المنصور قلاوون ان يخلَّد اسمه على أهم معالم طرابلس المملوكية، فكان ان أطلق ابنه على الجامع الكبير الذي أمر ببنائه، لقب أبيه الذي اشتهر به، وأصبح “الجامع المنصوري الكبير”، وتمجيداً لجهاده ودوره في تحرير طرابلس.
وحريّ بنا ونحن نستقرئ هذا التاريخ المجيد ونستعيد ذكرى هذه الموقعة الحاسمة، ان نتذكرها ونرسّخ قيمها في نفوس أبنائنا وأجيالنا، ليقرأوا تاريخ مدينتهم العريق بالنضال والجهاد والحضارة.

شاهد أيضاً

آثار و كنوز ” طرابلس ” ….

  أين تقع قلعة طرابلس؟ تقع القلعة في مدينة طرابلس التي تبعد عن العاصمة بيروت حوالي 80 …